أبي حيان الأندلسي
282
تفسير البحر المحيط
وقال الزمخشري : فإن قلت : كيف أنكر عليهم اتخاذ آلهة تنشر وما كانوا يدعون ذلك لآلهتهم ، وهم أبعد شيء عن هذه الدعوى لأنهم مع إقرارهم بأن الله خالق السماوات والأرض وبأنه قادر على المقدورات كلها وعلى النشأة الأولى منكرين للبعث ، وكان عندهم من قبيل المحال الخارج عن قدرة القادر فكيف يدعونه للجماد الذي لا يوصف بالقدرة ؟ قلت : الأمر كما ذكرت ولكنهم بادعائهم الإلهية يلزمهم أن يدعوا لها الإنشاء لأنه لا يستحق هذا الاسم إلاّ القادر على كل مقدور ، والإنشاء من جملة المقدورات وفيه باب من التهكم بهم والتوبيخ والتجهيل ، وإشعار بأن ما استبعدوه من الله لا يصح استبعاده لأن الإلهية لما صحت صح معها الاقتدار على الإبداء والإعادة ونحو قوله * ( مّنَ الاْرْضِ ) * قولك : فلان من مكة أو من المدينة ، تريد مكي أو مدني ، ومعنى نسبتها إلى الأرض الإيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض لا أن الآلهة أرضية وسماوية ، من ذلك حديث الأمة التي قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ) : ( أين ربك ؟ ) فأشارت إلى السماء فال : ( إنها مؤمنة ) لأنه فهم منها أن مرادها نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام لا إثبات السماء مكاناً لله تعالى . ويجوز أن يراد آلهة من جنس الأرض لأنها إما أن تنحت من بعض الحجارة أو تعمل من بعض جواهر الأرض . فإن قلت : لا بد من نكتة في قوله * ( هُمْ ) * قلت : النكتة فيه إفادة معنى الخصوصية كأنه قيل * ( أَمِ اتَّخَذُواْ الِهَةً ) * لا تقدر على الإنشاء إلا هم وحدهم انتهى . و * ( اتَّخَذُواْ ) * هنا يحتمل أن يكون المعنى فيها صنعوا وصوروا ، و * ( مّنَ الاْرْضِ ) * متعلق باتخذوا ، ويحتمل أن يكون المعنى جعلوا الآلهة أصناماً من الأرض كقوله * ( وَإِذْ قَالَ إِبْراهِيمُ ) * وقوله * ( وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ) * وفيه معنى الاصطفاء والاختيار . وقرأ الجمهور : * ( يُنشِرُونَ ) * مضارع أنشر ومعناه يحيون . وقال قطرب : معناه يخلقون كقوله * ( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ ) * . وقرأ الحسن ومجاهد * ( يُنشِرُونَ ) * مضارع نشر ، وهما لغتان نشر وانشر متعديان ، ونشر يأتي لازماً تقول أنشر الله الموتى فنشروا أي فحيوا ، والضمير في * ( فِيهِمَا ) * عائد على السماء والأرض وهما كناية عن العالم . و * ( إِلا ) * صفة لآلهة أي آلهة غير * ( اللَّهِ ) * وكون * ( إِلا ) * يوصف بها معهود في لسان العرب ومن ذلك ما أنشد سيبويه رحمه الله : * وكل أخ مفارقه أخوه * لعمر أبيك إلا الفرقدان * قال الزمخشري : فإن قلت : ما منعك من الرفع على البدل ؟ قلت : لأن لو بمنزلة إن في أن الكلام معه موجب والبدل لا يسوغ إلا في الكلام غير الموجب كقوله * ( وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ ) * وذلك لأن أعم العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه ، والمعنى لو كان يتولاهما ويدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو فاطرهما * ( لَفَسَدَتَا ) * وفيه دلالة على أمرين أحدهما : وجوب أن لا يكون مدبرهما إلاّ واحداً ، والثاني أن لا يكون ذلك الواحد إلاّ إياه وحده كقوله * ( إِلاَّ اللَّهُ ) * . فإن قلت : لم وجب الأمران قلت : لعلمنا أن الرعية تفسد بتدبير الملكين لما يحدث بينهما من التغالب والتناكر والاختلاف . وعن عبد الملك بن مروان حين قتل عمرو بن سعيد الأشدق كان والله أعز عليّ من دم ناظري ولكن لا يجتمع فحلان في شول وهذا ظاهر . وأما طريقة التمانع فللمتكلمين فيها تجادل وطراد ولأن هذه الأفعال محتاجة إلى تلك